وهبة الزحيلي

269

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

البيوت ، ثم طلب منهم الردة والعودة صراحة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين ، لجاؤوها أو لأعطوها من أنفسهم ولفعلوا ذلك سريعا ، ولم يحافظوا على الإيمان ولم يستمسكوا به ، وما مكثوا في استجابتهم وعطائهم ما طلب منهم إلا زمنا يسيرا من أدنى خوف وفزع ، وهو مقدار ما يكون السؤال والجواب من غير توقف . أو ما تلبثوا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى يهلكوا . وهذا دليل واضح على ضعف الإيمان في نفوسهم ، فلا عجب إذا بادروا إلى التراجع والتسلل من المعركة . وهذه سمة المترددين الجبناء الذين اعتادوا على الهرب من مواقف الصمود ولقاء الشجعان ، لذا قال تعالى : وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ ، وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا أي ولقد كان هؤلاء وهم بنو حارثة عاهدوا اللّه يوم أحد من قبل هذا الخوف ألا يولوا الأدبار ، ولا يفرون من الزحف ، ثم تابوا وعاهدوا اللّه ألا يعودوا لمثل ذلك . ثم هددهم تعالى وأوعدهم بقوله : وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا أي إن اللّه سيسألهم عن ذلك العهد والوفاء به يوم القيامة ، ويجازيهم على نقضه وخيانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذلك أمر لا بدّ منه . وقوله : مَسْؤُلًا معناه : مطلوبا مقتضى حتى يوفى به . ثم بيّن اللّه تعالى لهم عدم جدوى فعلهم ، ووبخهم ، فقال : قُلْ : لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ، وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي أخبرهم أيها الرسول أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم ، ولا يطوّل أعمارهم ، فلن ينفعهم الهرب من لقاء الموت أو القتل في ميدان المعركة ، فإن المقدّر كائن لا محالة ، وربما كان فرارهم سببا في تعجيل أخذهم غرّة ، وإذا ظلوا أحياء ونفعهم الفرار ونجوا من الموت كما يظنون ، لم يكن تمتعهم بالتأخير بمتاع الدنيا بعد هربهم وفرارهم إلا تمتيعا قليلا أو زمانا يسيرا :